44460 السنة 133-العدد 2008 اغسطس 28 27 من شعبان 1429 هـ الخميس
د. مصري حنوره قبل أن يرحل بساعات
البوابة الملكية لعلم نفس الأدب
تبدأ من الأديب قبل الناتج الإبداعي
د. مصرى حنوره
رحل أخيرا..
رحل د. مصري عبد الحميد حنوره بعد اسهامه الشديد في ميدان علم نفس الأدب قرابة النصف قرن من الزمان, ود. مصري له اسهامات كثيرة في هذا الجانب, علم نفسه الأدب سواء بالكتابة أو الاشراف علي رسائل أو الوجود في الحياة الثقافية والأدبية..
لهذا كان لابد أن نلتقي برائد أسس علم نفس الأدب, وكان هذا هو الحوار الأخير قبل أن يرحل بساعات:
كتبت كثيرا في موضوع علم نفس الأدب, هل تعطي لنا فكرة عن هذا النوع من الأدب أو من علم النفس.
ـ الحقيقة انني لست مخترع علم نفس الأدب, والأصوب القول انني كرست الجانب الأكبر من حياتي الاكاديمية بعد التخرج وعلي أكثر من خمسة وأربعين عاما للعمل في اطار ما اصطلح علي تسميته علم نفس الأدب.. وهناك آخرون سبقوني للاهتمام بتقنين العلاقة بين علم النفس والأدب منذ أكثر من ستين عاما, ومنهم مثلا الدكتور مصطفي سويفي والدكتور سامي الدروبي والدكتور محمد خلف الله.. هؤلاء بدأوا فتح الطريق, وبدأت أنا منذ منتصف ستينيات القرن العشرين أعمل في ذات المجال, وكان أول ما نشرته دراسة في مجلة الجديد عن الاشراق بين التصوف والابداع الفني والأدبي, وكان ذلك في بداية السبعينيات ثم نشرت بعد ذلك كتاب الأسس الفنية للابداع الفني في الرواية وكتاب الخلق الفني في منتصف السبعينيات, وتوالت بعد ذلك الأعمال في نفس المجال حتي وصلت حاليا إلي أكثر من خمسة وعشرين كتابا أي ما يقرب من نصف مجموع الكتب التي أصدرتها.
ولكن ما هو تعريفك لعلم نفس الأدب..
ـ علم نفس الأدب هو ذلك الفرع من فروع علم النفس, وهو أقرب إلي أن يكون فرعا تطبيقيا, بالاضافة طبعا إلي كونه يهتم بتأسيس القواعد والمبادرة الأساسية في ذات المجال. ويهتم علم نفس الأدب عموما بعدة محاور في مجال دراسة الأدب, فهو يدرس ما يطلق عليه الـ ثري بيس وهي عملية الابداع وشخصية المبدع( الأديب) والناتج الابداعي( الأدبي) وهذا المثلث يشكل صميم نظرية الابداع عموما أي علم نفس الأدب يستمد أسسه العلمية من مجال سيكولوجية الابداع, ومن مجال المعرفة الصحفية بفنون الأدب أسسه واتجاهاته وأبوابه.. وتاريخه.. الخ عندئذ يكون المتخصص في علم نفس الأدب صاحب ساقين احداهما تتحرك في الرافد السيكولوجي( النفس) والثانية تتحرك في رافد الأدب وفنونه..
هل يمكن القول ان علم نفس الأدب هو نوع من أنواع النقد الأدبي؟
ـ علم نفس الأدب كما ذكرت من قبل فرع من فروع علم النفس, وهو يهتم كما قلنا بدراسة الظاهرة الأدبية من زوايا عدة أهمها زاوية الأديب المبدع وشخصيته وزاوية كيف ينشيء الأديب المبدع عمله الأدبي( الناتج) الابداع وزاوية المنتج الأدبي, أو العمل الفني الذي أنشأه الأديب.. والزاوية الأخيرة هي التي يقوم فيها الباحث أو الدارس تناول الأعمال الأدبية بالدراسة للكشف عن عناصر الابداع فيها.. من هنا صنف الناس علم نفس الأدب باعتباره أحد فروع النقد الأدبي, والحقيقة أنه أوسع من ذلك بكثير كما رأينا فهو يهتم بدراسة شخصية الأديب من زاوية علم النفس الابداعي ويهتم بدراسة عملية( أو فعل الابداع), وهي زاويتان لا يدخلان غالبا في مجال الدراسات النقدية.
إذن ما هو المدخل إلي علم نفس الأدب؟
ـ المدخل إلي علم نفس الأدب يبدأ عادة من دراسة الأديب وشخصيته وتكوينه النفسي والأدبي.. فنجيب محفوظ مثلا, علينا أن نعرفه قبل أن نعرف أدبه, وليس صحيحا أن معرفة عمل( أو الناتج الأدبي) هي مفتاح دراسة شخصية, لأن الشخصية هي التي تفرز العمل الأدبي وهي التي تقود الفعل الابداعي, ومن ثم إن البوابة الملكية لعلم نفس الأدب تبدأ من شخصية الأديب.. ثم ينتقل الدارس بعد ذلك إلي دراسة فعل الابداع الأدبي( أو عملية الابداع(. ثم يأتي بعد ذلك دراسة الناتج الابداعي, وهو يمثل أهم زوايا ذراع علم نفس الأدب وأصعبها علي الاطلاق, لأنه يحتاج كما ذكرنا من قبل إلي تخصص دقيق في مجال علم النفي وإلي معرفة عميقة بفنون الأدب وأبوابه, قديمه وحديثه شرقيه وغربيه, وهو ما يجعل الأمر أكبر من مجرد النقد الأدبي الذي له أصحابه والمتخصصون فيه, وأبعد من مجرد زاوية علم النفس التي تعفي نفسها من اشكاليات المنحني المتعدد الأبعاد..
فما هي أهم انجازاتك في مجال علم نفس الأدبي؟
ـ كتب كثيرة منها سلسلة الأسس النفسية للابداع الفني في الرواية والمسرحية والشعر المسرحي وعلم نفس اللأدب( مجلدان) وطه حسين وسيكولوجية المخالفة ومسيرة عبقرية ونجيب محفوظ وفن صناعة العبقرية غير عشرات البحوث في ذات المجال نشرت جميعها في المجلات المتخصصة إلي غير ذلك.
*وآثر الرجل الصمت حين آثرنا أن يتحدث عن آماله ليتركها لفترة. رحمه الله.
نشر بتاريخ 28-08-2008 |