مقالات صحفية الديمقراطية الصناعية.. وتفعيل الحوار الاجتماعي
44460 السنة 133-العدد 2008 اغسطس 28 27 من شعبان 1429 هـ الخميس
الديمقراطية الصناعية.. وتفعيل الحوار الاجتماعي
بقلم : د. أحمد يوسف القرعي
الديمقراطية الصناعية مصطلح معروف في أدبيات المفاوضة الجماعية أو الحوار الثلاثي بين شركاء العملية الانتاجية( الحكومة وأصحاب الأعمال والعمال) وتعمل الديمقراطية الصناعية علي حماية وتعزيز حقوق العمل والعمال معا وتحسين ظروف العمل وتحقيق معدل أفضل للانتاجية في مواقع العمل بما يحقق الوفرة للمجتمع ككل. ومن هنا يبدو واضحا ان الديمقراطية الصناعية( ويطلق عليها أحيانا ديمقراطية العمل) تعد مكونا من مكونات الديمقراطية الأم, من منطلق أن الديمقراطية الصناعية تعمل علي تطبيق المباديء الديمقراطية ومنظومة حقوقها وواجباتها علي بيئات العمل والانتاج والمصالح المشتركة لكل أطرافها.. إلخ.
تلك مقدمة لرصد حراك اجتماعي جديد في إطار الديمقراطية الصناعية يتمثل في مبادرات جديدة لإحياء مشاركة النقابات المهنية والعمالية وكذا الاتحاد العام لكل من الغرف الصناعية والغرف التجارية وجمعيات رجال الأعمال ويشكلون أطرافا في المفاوضة الجماعية التي تعقد تحت مظلة الديمقراطية الصناعية.
وكانت نقطة الانطلاق الأولي للحراك الاجتماعي الجديد في30 ابريل2006 عندما عقد الحوار بين شركاء العملية الانتاجية في مصر( الحكومة وأصحاب الأعمال والعمال) وأستمر الحوار عن ميثاق عمل جديد بين الشركاء الثلاثة يتضمن مباديء وأسس الحوار الاجتماعي لتحقيق حزمة أهداف في مقدمتها تهيئة مناخ ملائم للاستثمار. وضمان استقرار علاقات العمل وتحقيق العدالة الاجتماعية ومناقشة القضايا ذات الاهتمام المشترك في ضوء المستجدات والمتغيرات الحالية والمستقبلية وتعزيز الثقة المتبادلة بين ممثلي أصحاب الأعمال والعمل في إطار من الشفافية وتوفير المعلومات التي تساعد علي مصداقية وتواصل الحوار.
وضم هذا الاجتماع التاريخي لشركاء العمل والانتاج: وزراء الاستثمار والتجارة والصناعة والقوي العاملة والهجرة ورئيس اتحاد الصناعات ورئيس اتحاد الغرف التجارية ورئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر ورؤساء النقابات العامة. وكان اختيار موعد الاجتماع( عشية العيدالعالمي للعمال ـ أول مايو) موعدا لتدشين هذا الحوار الثلاثي اختيار له مغزاه وهو إنصاف حقوق خمسة ملايين نقابي مصري يمثلون قوة العمل المصرية التي تزيد علي25 مليون عامل, ومن ناحية أخري فإن تدشين هذا الحوار في مصر كان تطلعا ومواءمة مع معايير الاطار الدولي للعمل.
{{{
ونظرا للواقع الصعب الذي كانت تعاني منه مثل تلك الكيانات المهنية والنقابية المصرية بصفة عامة فقد تأخرت مبادرة الاصلاح حتي أطلقت مصر في أبريل الماضي مشروع تعزيز الحقوق والمباديء الأساسية في العمل والحوار الاجتماعي في مصر الذي تنفذه منظمة العمل الدولية بالتعاون مع وزارة القوي العاملة والهجرة واتحادي العمل والصناعات بعد تصديق مصر علي الاتفاقيات الثماني الخاصة بإعلان المباديء والحقوق الأساسية في العمل, وذلك تعبيرا عن إلتزام مصر واحترامها للمواثيق والمعاهدات الدولية, كما تعمل مصر حاليا علي إنشاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي لمجلس استشاري لمجلسي الشعب والشوري الذي يتولي اعداد وصياغة التشريعات في مصر ويمثل كل أطراف العملية الانتاجية وذلك عند وضع أية تشريعات سواء عمالية أو اقتصادية أو اجتماعية لها علاقة مباشرة بالعمل وذلك تماشيا مع مانصت عليه الاتفاقيات والمعايير الدولية للعمل ويضم المجلس ممثلين عن الحكومة والعمال لوضع الأطر القانونية للمجلس الذي يعد أحد العناصر الأساسية لتحسين الأداء والنمو الاقتصادي بالتزامن مع التنمية الاجتماعية.
{{{
في إطار تلك المبادرات التي تحققت أخيرا كان من الطبيعي أن تتحرك المياه الآسنة في بحيرة العمل النقابي المهني والعمالي بصفة عامة, ولا عجب ـ كما أشار مقال الخميس(7 أغسطس الحالي) مبادرة اعداد قانون جديد للنقابات المهنية بعد15 عاما من صدور القانون الحالي وبهدف إعادة ترتيب البيت النقابي المهني من جديد( ويضم23 نقابة مهنية عامة يزيد عدد أعضائها علي سبعة ملايين مهني يشكلون بمختلف تخصصاتهم زادا وفكرا علميا لا غني عنه للمجتمع ككل.
وماهي إلا أسابيع قليلة حتي تم أخيرا الاعلان عن اعداد تعديلات لقانون النقابات العمالية في إطار تطور قانون العمل أيضا( الصادر عام2003) وبهدف مواكبة التشريعات العمالية للتحولات الاقتصادية وتحقيق العدالة الاجتماعية.
{{{
والمبادرتان السابقتان بشأن اعادة ترتيب الكيان النقابي والمهني والعمالي يتطلبان مبادرة ثالثة لاعادة ترتيب الاتحاد العام للغرف التجارية واتحاد الغرف الصناعية حيث تمارس وزارة التجارة بمقتضي القانون اشرافا مباشرا علي اتحاد الغرف التجارية والذي يمثل مصالح التجار ويصل هذا الاشراف الي درجة إعطاء الوزير الحق في تعيين عدد من أعضاء مجلس ادارة الاتحاد وتعيين رئيسه. كما يعمل اتحاد الصناعات المصرية تحت الاشراف المباشر لوزارة الصناعة ويقوم الوزير بتعيين ثلث مجلس ادارة الاتحاد بالاضافة الي رئيسه. أما جمعيات رجال الأعمال فتشهد حيوية لا ينافسها فيها أية جماعة اجتماعية أخري ولكن يبقي دورها في تنشيط عملية المفاوضات الجماعية.
{{{
وأخيرا.. فإن الحراك الاجتماعي الجديد من جانب الأطراف المختلفة في سياق الديمقراطية الصناعية سوف يترك آثاره الإيجابية علي كافة حقوق الانسان المصري من منطلق ان الديمقراطية الصناعية شريحة حية من منظومة حقوق الانسان ويكفي الاشارة الي أن الديمقراطية الصناعية تحتضن منظومة حقوق أساسية في مقدمتها حقوق حرية اختيار العمل والحريات النقابية ومن أبرز مظاهرها حق التنظيم والتجمع والمفاوضة الجماعية وحقوق عدم التمييز في وسائل الاستخدام والمهنة.. إلخ.